السيد محمد الصدر
190
منة المنان في الدفاع عن القرآن
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ « 1 » . والتكرار في هذه السورة ثلاث مرات ، لا مرّة واحدة ، كما قد يخطر بالبال ؛ فقوله : وَلا أَنْتُمْ عَابدُونَ مَا أَعْبُدُ كرّر مرّتين بنفس اللفظ . وقوله : لا أَعْبُدُ مَا تعْبُدُونَ مكرّر مع مغايرة اللفظ في قوله تعالى : وَلَا أَنا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ . وقوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ هو بمنزلة التكرار لكلٍّ منهما ، فيكون كلّ وجه مكرّراً ثلاث مرات . وبعد اجتماع هذه المقدّمات الثلاث نقول : إنَّ هذه التكرارات الثلاث هي أقصى مقدارٍ من التأكيد والتركيز للمفارقة بين معبود المؤمنين ومعبود الكافرين ، أو قل : هدف المؤمنين وهدف الكافرين ، وهو أمرٌ مهمٌّ بدرجةٍ عاليةٍ جدّاً ، لا يمكن التقصير فيه أو التغافل عنه ؛ فإنَّه لا يوجد هدفٌ أعلى من عبادة الله الواحد الأحد ، وأكثر مضادّة من الشرك الكامل والصريح . وبما أنَّ هذه المباينة موجودة ، فهي تستحقُّ التأكيد والتكرار ، فيكون هذا الوجه صحيحاً ، وإن لم تتمّ الوجوه الأُخرى الآتية . الوجه الثاني : ما ذكره القاضي عبد الجبّار ، حيث قال : إنَّه لا تكرار في ذلك ؛ لأنَّ قوله تعالى : لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ المراد به المستقبل وقوله تعالى : وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ المراد به الحال ، وقوله تعالى : وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ المراد به المستقبل وفي الحال ، أي : لا أعبد ما تقدّمت عبادتكم له . ومن يعد ذلك تكراراً ، فمن قلّة معرفته وتدبّره ؛ لأنَّه ينظر إلى اللفظ ويعدل عن تأمّل المعنى « 2 » .
--> ( 1 ) سورة المدّثّر ، الآيتان : 19 - 20 . ( 2 ) تنزيه القرآن عن المطاعن : 484 .